الصداقة بين الجنسين[1]
هل توجد علاقة بريئة (صداقة) بين الجنسين؟:
أولاً: العلاقة غير البريئة:
وهى العلاقة التي تتصف بعدم وجود موانع وعوائق لرغبات كلا الطرفين، وقد تكون بدايتها بريئة كالصداقة والزمالة، وتنتهي بهما إلى الفاحشة أو في أفضل الحالات الزواج العرفي.. فهذه العلاقة ليست محل نقاشنا لأن أهل العقل فضلاً عن أهل الدين يجمعون على حرمة هذه العلاقة ودناءة أهلها ونسأل الله الهداية للجميع.
ثانياً: العلاقة البريئة:
وتكون بين رجل وامرأة أو فتى وفتاة، ولكن يحدّها حدود، ويفترض أنها لا تتطور، ويشملها الأدب العام والعرف.. وتعتمد على المصارحة والصدق والألفة والثقة بين الطرفين.. ولا بأس بمعرفة الأهل بهذه العلاقة إلى حد ما.. وقد تتعدى الصداقة إلى الأخوية، فكلا الطرفين يحرص على مصلحة الأخر، وذلك دون الوصول إلى ما حرمه الله.. وقد يكون أحد الطرفين متزوجا، ولكن لا بأس فإنها علاقة بريئة.. ويكون الحديث فيها في الأمور الحياتية العادية، أو المشاكل الشخصية العادية.
ومن أكبر مميزات هذه العلاقة أن المجتمع يرعاها ويعترف بها.
والخلاصة أن أصحاب هذه العلاقة على قناعة بصحتها، وبراءتها من الفحش، وأنها علاقة طبيعية مادامت لا تصل إلى ما حرمه الله، ومادامت هذه العلاقة في العلن!!!
ولحل هذا الإشكال، نوضح لب وأساس هذه العلاقة بكل صراحة من زاويتين: الواقعية والشرعية.
أولاً: من الناحية الواقعية والعملية:
· إنّ المصارحة والصدق والثقة في هذه العلاقة كالسم في العسل، إذ إن هذا الصدق ما هو إلا قناع لعملية تمثيلية، يصوّر كلّ واحد فيها نفسه في أحسن صورة، ويزّين مظهره ويتزيّن في كلامه، ولا يقبل أن يتعرّف الطرف الآخر على عيوبه.. فهو لا يذكر عيباً من نفسه حتى يكون صريحا.. ولو حدث فإنه يمدح نفسه في صورة الذم، كأن يقول أو تقول: "أكبر عيب عندي أني صريح، وإني أعيب على نفسي قول الحقّ بدون مجاملة"!!.. فأين الصدق والصراحة؟.. بل على العكس، أوضح ما في هذه العلاقة الكذب والمخادعة، سواء على نفسه أو على الآخر.. ومن أوضح ما يبين مسألة التظاهر الكاذب، طرح كلا الطرفين في بعض الأحيان موضوعات تبدو هامة، كأن تكون قضية سياسية أو نفسية أو دينية، ويتنافس كلا الطرفين بإبداء رأيه في هذه القضية ووجهة نظره، لا لشيء إلا ليُظهر أنه على دراية وإلمام بشتى لعلوم والثقافات، وهذا أمر واضح جداً.
· هذه العلاقة يُفترض أنها لا تتعدى الصداقة والزمالة البريئة.. ولكن ما يدرى كلا الطرفين أن الآخر طوّر أو يطوّر هذه العَلاقة ولو من طرف واحد؟
· يجد الرجل في هذه العلاقة الراحة والتسلية، إذ ينشرح صدره وينسى همومه ويأنس بهذه المحادثات والمناقشات.. هو لا يبحث عن حل أو يريد أن يحقق غرضا.. وإنما يريد أن يفرغ همّه.. وهذا حاصل في هذه العلاقة، فليس مهمّا أن تكون الفتاة جميلة المنظر، وإنما هي ـ كفتاة ـ تحمل مراده وتحقق غايته من تسلية النفس وانشراح الصدر أثناء المجالسة، سواء عياناً أو هاتفياً.. وهذا الأنس مركب في طبع الرجل تجاه المرأة، لا ينكره صادق.. ويقابل ذلك عند المرأة تحقيق الشعور بالذات والأهمية وزيادة الثقة بالنفس، نتيجة لطلب الفتى أو الرجل إياها.. كلّ هذا في إطار من التظاهر والمخادعة والتمثيل.. فهي تحكمه بدلالها وهو يحكمها بدهائه.
· وإذا كانت هذه العَلاقة لا تدعو إلى الفاحشة، فهذا ليس دليلاً على صحتها وشرعيتها.. فقد كان أهل الجاهلية قبل الإسلام يقولون (الحب يطيب بالنظر ويفسد بالغمز) وكانوا لا يرون بالمحادثة والنظر للأجنبيات بأسا، مادام في حدود العفاف.. وهذا كان من دين الجاهلية وهو مخالف للشرع والعقل، فإن فيه تعريضا للطبع لما هو مجبول على الميل إليه، والطبع يسرق ويغلب.. والمقصود أن أصحاب هذه العلاقة رأوا عدم العفاف يفسد هذه العلاقة فغاروا عليها مما يفسدها فهم لم يبتعدوا عن الفاحشة تدينا!
· ومنذ متى واعتراف المجتمع يعد معيارا؟.. فهل اعترافه بعلانية بيع الخمور يبيح الخمر؟.. إن معيار المجتمع معيار ناقص وكذلك معيار كثرة المتردّدين على الأمر لا يعد دليلا























كثير من الناس لا يكادون يعرفون من المعاصي والذنوب إلا ما يدركه الحس، وما يتعلق بالجوارح الظاهرة، من معاصي الأيدي والأرجل، والأعين والآذان، والألسنة والأنوف، ونحوها مما يتصل بشهوتي البطن والفرج، والغرائز الدنيا للإنسان.